"حزب الله" ورهان الأنفاس الأخيرة في طهران
طوني عيسى
Tuesday, 13-Jan-2026 08:18

في لحظة الانتقال بخطة حصر السلاح من جنوب الليطاني إلى شماله، هناك لحظة انتقال موازية ينتظرها الشرق الأوسط، من مرحلة الأحلام الكبيرة للإمبراطورية الفارسية إلى البحث عن أفضل الممكن. وبين اللحظتين، يفضّل "حزب الله"، كما سائر حلفاء طهران في الإقليم، تهدئة اللعبة والانتظار، حتى جلاء غبار المعركة الكبرى الجارية مع إيران، أو فيها.

 

في أروقة "حزب الله" تجري جردة حساب هي الأقسى منذ العام 1982. فهو إذ اعتاد أن يكون صانع الأحداث الكبرى في لبنان والمنطقة، يجد نفسه اليوم ملتزماً جانب المراقب القلق. وحال الانتظار التي يعيشها ليست استراحة محارب، كما كانت انتظاراته السابقة، بل هي محاولة لشراء الوقت.

 

سيكولوجية الانتظار داخل "الحزب" تتوزع بين الإنكار والواقعية. ففي هيكليته انقسام صامت بين جناح عقائدي متشدّد، يعتبر أنّ ما تتعرّض له إيران اليوم عابر ويشبه ما حدث في تجربتين سابقتين، في 2009 و2022، وجناح براغماتي يرى أنّ مسار التحولات الإقليمية والدولية، ولاسيما نموذج "فنزويلا"، أي تغيير النهج عبر إزاحة الرؤوس الحامية، بدأ يدخل إيران ويهدّد بتغييرها جذرياً هذه المرّة.

 

وبين هذا وذاك، يعتمد "الحزب" استراتيجية أفضل الممكن، التي تقضي بدخول ثلاجة الانتظار، لعلها توفّر الحماية. فإذا انتهت تطورات إيران بتسوية ناعمة تحافظ على أركان النظام ونهجهم، يعود هو أيضاً إلى التصعيد قدر الإمكان. وأما إذا حصل تغيير فاعل في النظام والنهج هناك، فـ"الحزب" نفسه سيكون انعكاساً للنهج الجديد، ويتغيّر معه. ولذلك، هو اليوم يطلق بعض المواقف التي تشدّ عصب الجمهور، لكنه في العمق يترقب، ويعرف أنّ لحظة القرار لم تنضج ظروفها. وهو لا يرفض قرارات الحكومة علانية، لكي لا يستفز الداخل اللبناني، لكنه يضع العصي في الدواليب تقنياً، برفض تسليم الخرائط والإحداثيات في جنوب الليطاني وشماله، وإطالة أمد النقاش إلى أجل غير مسمّى حول السلاح وفلسفات الاستراتيجية الدفاعية.

 

في المقابل، لن تنتظر إسرائيل نتائج تظاهرات إيران لتقرّر ما ستفعل في لبنان. وهي تعتبر أنّ قيامها بإخلاء الجنوب كله، من الأولي حتى الحدود، من كل سلاح، هو هدف يجب أن يتحقق أياً كان مسار التطورات في طهران. ولذلك، هي لا تضيّع الوقت، وقد باشرت بهذا العمل في الوقت الضائع. وهذا سبب العنف الاستثنائي الذي يميّز الغارات الإسرائيلية الأخيرة من ضفتي الليطاني وصولاً حتى البقاع.

 

وفيما تعلن إسرائيل أنّ جنوب الليطاني ما زال يحتوي على أسلحة وأنفاق، فإنّ "الحزب" يحاول الحفاظ على بنيته التحتية في شمال النهر، على أن تبقى غير مرئية وغير مستعملة، أي تحويل ترسانته إلى مخازن نائمة، لعل خطة حصر السلاح تتعثر، إذا ما نهضت طهران من أزمتها وتغيّرت الظروف السياسية.

 

وعلى مضض، يسكت "حزب الله" على المهل التي تحدّدها أو ستحدّدها الدولة، ولا يردّ على ضربات إسرائيل اليومية الدموية والمدمّرة، لأنّ معادلة القوة بينه وبينها مختلة وبقوة. كما أنّه خسر كل دعم من سوريا والعراق وغزة واليمن، فبات في جزيرة معزولة عسكرياً. وأي مواجهة مع إسرائيل الآن ستعني له الانتحار، وهو ما لا تريده إيران نفسها لأنّه يعني خسارتها إحدى الأوراق الأخيرة التي قد تساوم عليها إذا دخلت في صفقة كبرى مع دونالد ترامب. وفي أي حال، إذا أُزيحت الرؤوس المتشدّدة في طهران، وأمسك بالسلطة فريق أكثر انفتاحاً من داخل النظام، كما في النموذج الفنزويلي، فإنّ "الحزب" يجب أن يكون جاهزاً وعلى قيد الحياة سياسياً، ويتكيّف مع النهج الجديد.

 

واضحٌ أنّ الأسابيع المقبلة ستشهد تطورات مفصلية. وسيكون "الحزب" فيها أمام خيارين: إذا تمّ التغيير في طهران وسقط الرأس المتشدّد أو خضع لاتفاق شامل مع ترامب، فهو سيسلّم سلاحه شمال الليطاني، بإخراج لبناني يحفظ به ماء الوجه. وأما إذا وقع الإنفجار في طهران، أو إذا دخلت إيران في حرب أهلية أو انهيار شامل، فإنّ "الحزب" سيتجنّب اللجوء إلى "خيار شمشون" في لبنان، لأنّه يعني الانتحار مجاناً، وسيحاول الحدّ من خسارته قدر الإمكان ويرضخ للواقع. وعلى الأرجح، سيفعل ذلك تحت جناح الرئيس نبيه بري.

 

يتعاطى "حزب الله" مع بقعة ما بين النهرين بوصفها منطقة عازلة سياسية أكثر من كونها بقعة عمل عسكرية. فهي المدى الحيوي الأساسي الباقي له، وسيفاوض عليه كجزء من أي إخراج سياسي يتمّ تحضيره.

 

"الحزب" هو اليوم أسير الجغرافيا (بين الليطاني والأولي) وأسير التوقيت (لحظة انتهاء المأزق الإيراني). والتطورات الآتية من طهران أشدّ خطورة عليه من صواريخ المسيّرات الإسرائيلية. لذلك، ليس هاجسه الدفاع عن مواقع عسكرية ضائعة في بلاد ما بين النهرين، الليطاني والأولي، بمقدار ما هو الدفاع عن زمن كامل يتلاشى بين يديه.

 

الأكثر قراءة